المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمة فى خطر


احمد نيمو
05-14-2009, 04:13 PM
في مقال رائع للدكتور يحيي الجمل بتاريخ ٣٠/ ٣/ ٢٠٠٩ في جريدة المصري اليوم يقول فيه
فى سبعينيات القرن الماضى عندما استطاع الاتحاد السوفيتى السابق أن يحقق تفوقاً على الولايات المتحدة الأمريكية فى تقنيات علوم الفضاء، وفى الرياضيات الحديثة، علت أصوات كثيرة فى أمريكا تقول: «إن الأمة فى خطر» ولا يمكن الاستكانة لهذا التفوق السوفيتى ولكن لابد من اللحاق به وسبقه. وتكونت لجان وتشكلت مراكز بحوث وأدرك الجميع مدى ما يتهدد مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية، وما كان يقال له العالم الحر إذا استمر هذا التفوق العلمى الروسى.
ولم يكتف الأمريكيون بالتصاريح أو لطم الخدود، هذه أمور من اختصاص العالم المتخلف، ووضعت مراكز الأبحاث يدها على مواطن الضعف التى تنبت منها نذر الخطر: إنه التعليم سواء فى ذلك التعليم العام أو التعليم الجامعى، وكذلك ما يرتبط بالتعليم الجامعى من بحث علمى.
حدد العلماء أن هذا هو مكمن الخطر، وأن هذا هو ما يجب أن يتجه إليه العلاج الجاد والحاسم والسريع، العلاج الذى لا يكتفى بالشعارات وعناوين الصحف وإلقاء الخطب. ومرة أخرى هذه أمور من اختصاص العالم المتخلف.
ولكن مراكز الأبحاث فى الولايات المتحدة الأمريكية رصدت الظاهرة وحددت أبعادها ووضعت خطة زمنية لعلاج أسبابها.
وكان واضحاً أن «النظام» الـSystem فى معاهد العلم الروسية أكثر انضباطاً وأشد حزماً، ومع العناية بالرياضيات الحديثة وبالتقنيات المتصلة بالتفوق فى معاهد العلم السوفيتية وغير ذلك من أمور، وأطلق رئيس الجمهورية آنذاك ريجان صيحته: الأمة فى خطر وبدأت جحافل العلماء والباحثين تتحرك وفق خطة لا تترك شاردة ولا واردة إلا واجهتها وحللتها ورسمت علاجها.
وفى أقل من عقد من الزمان كان التفوق قد عاد إلى الأمريكان بل إن السياسة الأمريكية الجديدة استطاعت أن ترهق الاتحاد السوفيتى إرهاقاً شديداً فى محاولته اللحاق بالقطب الأمريكى، ولكن اللحاق لم يتحقق فقط بل إن السباق الرهيب وما ألقاه من أعباء رهيبة على الاقتصاد السوفيتى وعلى المواطن السوفيتى وما صاحب ذلك كله من بيروقراطية وغياب للديمقراطية -أدى هذا كله إلى السقوط المروع للاتحاد السوفيتى- وانفراد أمريكا بسقف العالم فى العقد الأخير من القرن الماضى وبداية هذا القرن.
ولكن من حق الروس أن نقول إنهم استوعبوا الدرس جيداً وبدأوا من جديد يفرضون وجودهم فى عالم القرن الواحد والعشرين.
وإذا كان هذا هو ما حدث فى دولة مثل أمريكا التى اعتبرت أن الأمة فى خطر نتيجة ما حدث من تخلف علمى محدود فماذا نقول نحن؟
ماذا نقول.. هل نقول كل شىء تمام، وإن الأمور على ما يرام ونترك الانحدار يأخذ مداه، أم نقول إن الأمة فى خطر، إن مصر فى خطر وإن ساعة العمل الجاد لم تعد تحتمل التأخير؟
كيف نواجه ما نحن فيه من تخلف علمى وثقافى وفكرى؟ إن عناوين الصحف والخطب الرنانة لن تجدى شيئاً وإنما ستزيد الهوة. العمل العلمى الجاد وحده هو الذى يمكن أن يواجه الخطر.
والشىء المؤلم أن هناك من يكتب ويتحدث فى وسائل الإعلام قائلاً: إنه لا خطر هناك وإن الأمور كلها وردية، ذلك على حين أن كل الكتاب المخلصين المهمومين بأمر هذا البلد، والذين يؤرقهم مستقبله -وتقديرى أن أغلب كتاب هذه الصحيفة من هؤلاء- يدقون كل يوم ناقوس الخطر ويحذرون من كارثة قادمة ولا من مستجيب وكأن على قلوب أقفالها والعياذ بالله.
ما العمل؟
بداءة لابد أن نحزم أمرنا ونعترف بوجود الخطر ونبدأ فوراً بمواجهته مواجهة شاملة وندرك أن الأمر يحتاج إلى تخطيط دقيق وطويل المدى رغم أن الوقت لم يعد يحتمل، والبداية هى بمعاهد التعليم منذ مراحله الأولى وحتى المرحلة الجامعية.
التعليم يتعين أن تكون مهمته الأساسية هى تحريك العقل وتدريبه على التفكير النقدى والمنهج العلمى. إن التلقين انتهى عهده، وإن أى جهاز كمبيوتر قادر على أن يختزن من المعلومات ما تضمه صفحات آلاف الكتب. عهد الحفظ والتلقين انتهى فى العالم كله ونحن اليوم فى عهد العقل الناقد

المتطلع الباحث.
وبعد التعليم العام وإصلاح مناهجه ومدرسيه ومدارسه يأتى التعليم العالى والبحث العلمى.
إن الجامعة ليست مدرجات فيها آلاف الطلاب. هذا نوع من الإهانة للعلم.
الجامعة أستاذ متفرغ لعمله، مهمته الأساسية هى البحث والإنتاج، كل فى تخصصه. والجامعة معامل ومكتبات تضم أحدث ما جادت به القرائح البشرية.
إن ميزانية البحث العلمى فى الجامعات شىء يدعو إلى الخزى والخجل.
على المسؤولين أن يقرروا هل يريدون تعليماً حقيقياً وبحثاً علمياً يجعلنا نلحق بالعالم المتقدم -لا أقول الولايات المتحدة وأوروبا واليابان بل نلحق بالهند والصين وماليزيا- هل يريدون ذلك حقاً أم أنه يلائمهم أكثر ما نحن فيه من تخلف عقلى رهيب؟
أنا واحد من الأساتذة الذين عشقوا الجامعة وسعوا إليها وضحوا من أجلها، وأنا واحد من الأساتذة الذين أحبوا طلابهم وأحبهم طلابهم، وقد بدأت عملى مدرساً بالجامعة منذ أكثر من أربعين عاماً وأستطيع أن أقرر والحسرة تملأ قلبى وعقلى أن مستوى الطلاب الآن تخلف عن مستوى أقرانهم فى الماضى على نحو مذهل.
من يتصور أنه حتى فى الدراسات العليا يعتمد الطلاب على «ملازم» يكتبها لهم أساتذتهم ويتذمرون إذا طلب منهم الأستاذ إجراء أبحاث وقراءة مراجع والإسهام فى المادة المقررة بجهد علمى لا يكتفى بحفظ ما يقوله أو يكتبه الأستاذ.
وإلى جوار التعليم بمراحله المختلفة والبحث العلمى فإن الجهاز الإعلامى وبالذات الجهاز المرئى «التليفزيون» تحتاج قنواته وبرامجه إلى مراجعة شاملة، لا أحد يكره البرامج الخفيفة والمسلية ولكن إلى جوار ذلك لابد من برامج جادة تنمى المدارك والمعارف. ولكن تلك البرامج التى تكتسى لبوس الدين وتقول كلاماً لم يأت به دين أو كتاب تحتاج وقفة حازمة.
الخلاصة أن جهاز الإعلام يمكن أن يكون مبشراً بالظلام والتخلف كما هو حادث الآن ويمكن أن يكون كتيبة من كتائب التنوير فى هذا البلد.
خاتمة فيها أمل: بعد أن أعددت هذا المقال لإرساله لـ«المصرى اليوم» حضرت جلسة للمجلس القومى للتعليم والبحث العلمى وكان موضوع تطوير البحث العلمى والاهتمام العالمى بالتكنولوجيا متناهية الصغر هو موضوع الجلسة، وتحدث المشرف على المجالس المتخصصة، وتحدث وزير التعليم العالى وبعض رجال وزارته حديثاً يبعث بعض الأمل.
قل عسى أن يكون ذلك صحيحاً.
وعلينا أن نختار. الأمة فى خطر وليس هناك وقت للانتظار.
احمد السروي
استشاري معالجة مياه ودراسات بيئية